فيعنو لها الصخر ويذل الخشب ويستلسم لشؤبوبها كل ما يناله دون أن تجدي في ذلك حيلة وقد يتعذر على رجل الإطفاء إخماد لهيبها وكثيرا ما يصبح الماء بمثابة الحطب الذي يذكيها وكذلك الشيب ينتشر بسرعة غريبة في أجزاء الرأس ويتمادى في سرعته بحيث يتعذر بل يستحيل تلافيه ، وكثيرا ما يجنح الذين أصيبوا بالشيب إلى تغطية شيبهم بالأصابيغ الكاذبة ليخفوا حقيقتهم وليستهووا قلوب الغانيات فلن يبدل ذلك شيئا من الواقع الراهن.
ج - الألم: وكما أن النار لذاعة كواءة تؤلم من تلامسه فكذلك الشيب يؤلم الأشيب وقد صدت عنه الغواني واقتحمته العيون على حد قول ابن الرومي:
وكنت جلاء للعيون من القذى فقد أصبحت تقذي بشيبي وترمد
هي الأعين النجل التي كنت تشتكي مواقعها في القلب والرأس أسود
وقول أبي تمام:
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى حسناتي عند الحسان ذنوبا
لو رأى اللّه أن في الشيب خيرا جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وجميع ذلك منقول عن عمر بن أبي ربيعة:
رأين الغواني الشيب لاح بعوارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر
ويرحم اللّه شوقيا عند ما جلس على ضفاف البردوني في زحلة واستمع إلى وشوشات الحلي ووسوسات الأساور وألفى نفسه يرتقي إلى السبعين فصرخ:
شيعت أحلامي بقلب باك ولمت من طرق الملاح شباكي
ورجعت أدراج الشباب وورده أمشي مكانهما على الأشواك
وبجانبي واه كأن خفوقه لمّا تلفت جهشة المتباكي
د - المصير: وكما أن مصير النار بعد أن تفعل أفاعيلها وتبلغ غايتها الخمود والانطفاء فالرماد كذلك مصير الإنسان وناهيك بهذا المصير إيلاما للنفس وارتماضا للقلب فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به فتأمل هذا الفصل ، فله على سائر الفصول الفضل.
هذا وقد أوجزنا القول في عدم إضافة الرأس بالاكتفاء بعلم المخاطب ولا بد من إيضاحه الآن فنقول أن للاستعارة مطلوبات ثلاثة: