قُلْتُ: وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ سَمِعَتْ نِدَاءَ مَنْ يَقُولُ: اخْرُجْ يَا مَنْ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَحَزِنَتْ لِذَلِكَ، وَ (قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) .
النِّسْيُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّيْءُ الْحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُنْسَى وَلَا يُتَأَلَّمُ لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه.
وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا الرَّحِيلَ عَنْ مَنْزِلٍ قَالُوا: احْفَظُوا أَنْسَاءَكُمْ، الْأَنْسَاءُ جَمْعُ نِسْيٍ وَهُوَ الشَّيْءُ الْحَقِيرُ يُغْفَلُ فَيُنْسَى.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
أَتَجْعَلُنَا جِسْرًا لِكَلْبِ قُضَاعَةَ ... وَلَسْتُ بِنِسْيٍ فِي مَعَدٍّ وَلَا دَخَلْ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: النِّسْيُ مَا تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ مِنْ خِرَقِ اعْتِلَالِهَا، فَقَوْلُ مَرْيَمَ: (نَسْياً مَنْسِيًّا) أي حيضة ملقاة.
(يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أُخْتَ هارُونَ)
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأُخُوَّةِ وَمَنْ هَارُونُ؟ فَقِيلَ: هُوَ هَارُونُ أَخُو مُوسَى، وَالْمُرَادُ مَنْ كُنَّا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا.
قيل: على هذا كانت مريم من ولد هارون أَخِي مُوسَى فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ بِالْأُخُوَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَدِهِ، كَمَا يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ: يَا أَخَا تَمِيمٍ وَلِلْعَرَبِيِّ يَا أَخَا الْعَرَبِ.
وَقِيلَ كَانَ لَهَا أخ من أبيها اسمه هارون، لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَانَ كَثِيرًا فِي بَنِي إسرائيل تبركا باسم هارون أَخِي مُوسَى، وَكَانَ أَمْثَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إسرائيل، قاله الكلبي.
وقيل: هارون هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ تَبِعَ جِنَازَتَهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمُ اسْمُهُ هارون.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابِدٌ مُنْقَطِعٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجل يسمى هارون فَنَسَبُوهَا إِلَى أُخُوَّتِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَلَى طَرِيقَتِهِ قَبْلُ، إِذْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى خِدْمَةِ الْبِيَعِ، أَيْ يَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ مَا كُنْتِ أَهْلًا لِذَلِكَ.