الثَّالِثُ: لَعَلَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ لِكَيْ لَا تَقَعَ الْمَعْصِيَةُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا، وَإِلَّا فَهِيَ رَاضِيَةٌ بِمَا بُشِّرَتْ بِهِ.
(فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(26)
أَمَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ تَنْذُرَ الصَّوْمَ لِئَلَّا تَشْرَعَ مَعَ مَنِ اتَّهَمَهَا فِي الْكَلَامِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَلَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْوَى فِي إِزَالَةِ التُّهْمَةِ مِنْ كَلَامِهَا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَى الْأَفْضَلِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: كَرَاهَةَ مُجَادَلَةِ السُّفَهَاءِ وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ وَاجِبٌ، وَمِنْ أَذَلِّ النَّاسَ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسَافِهًا.
(يَاأُخْتَ هارُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)
وَأَمَّا هَارُونُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ، والمراد أنك كنت في الزهد كهارون فَكَيْفَ صِرْتِ هَكَذَا ذُكِرَ أَنَّ هَارُونَ الصَّالِحَ تَبِعَ جِنَازَتَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمْ يُسَمَّوْنَ هَارُونَ تَبَرُّكًا بِهِ وَبِاسْمِهِ [1] .
الثَّانِي: أَنَّهُ أَخُو مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَنَوْا هَارُونَ النَّبِيَّ وكانت من أعقابه، وإنما قيل أخت هَارُونَ كَمَا يُقَالُ يَا أَخَا هَمْدَانَ أَيْ يَا وَاحِدًا مِنْهُمْ.
وَالثَّالِثُ: كَانَ رَجُلًا مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ بِمَعْنَى التَّشْبِيهِ لَا بِمَعْنَى النِّسْبَةِ.
الرَّابِعُ: كَانَ لَهَا أَخٌ يُسَمَّى هَارُونَ مِنْ صُلَحَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعُيِّرَتْ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ظَاهِرُ الْآيَةِ مَحْمُولًا عَلَى حَقِيقَتِهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَخٌ مُسَمًّى بهارون.
الثَّانِي: أَنَّهَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ وَوُصِفَ أَبَوَاهَا بِالصَّلَاحِ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّوْبِيخُ أَشَدَّ لِأَنَّ مَنْ كَانَ حَالُ أَبَوَيْهِ وَأَخِيهِ هَذِهِ الْحَالَةَ يَكُونُ صُدُورُ الذَّنْبُ عَنْهُ أَفْحَشَ.
[1] ما ذكر في اتباع جنازة هارون الصالح لا يَخفى ما فيه من مبالغة وبُعْدٍ بعيد. والله أعلم. اهـ