الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ بُشِّرَ بِمَا يَتَمَنَّاهُ أَنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ فَرْطُ السُّرُورِ بِهِ عِنْدَ أول ما يرد علي اسْتِثْبَاتُ ذَلِكَ الْكَلَامِ إِمَّا لِأَنَّ شِدَّةَ فَرَحِهِ بِهِ تُوجِبُ ذُهُولَهُ عَنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْلِ وَالْفِكْرِ وَهَذَا كَمَا أَنَّ امْرَأَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ قَالَتْ: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) [هُودٍ: 72] فَأُزِيلَ تَعَجُّبُهَا بِقَوْلِهِ: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هُودٍ: 73]
وَإِمَّا طَلَبًا لِلِالْتِذَاذِ بِسَمَاعِ ذَلِكَ الْكَلَامِ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِمَّا مُبَالَغَةً فِي تأكيد التفسير.
(وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13)
فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى: (وَكانَ تَقِيًّا) وَهَذَا حِينَ ابْتِدَاءِ تَكْلِيفِهِ؟
قُلْنَا: إِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ الرَّسُولَ وَأَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ حَيْثُ كَانَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
(وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)
(فصل فِي فَوَائِدِ هَذِهِ الْقِصَّةِ)
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: تَعْلِيمُ آدَابِ الدُّعَاءِ وَهِيَ مِنْ جِهَاتٍ.
أَحَدُهَا: قوله: (نِداءً خَفِيًّا) [مريم: 3] وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ مَا هذا حالُه ويؤكدهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) [الْأَعْرَافِ: 55] وَلِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالْقُوَّةِ وَالْجَلَادَةِ وَإِخْفَاءَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالضَّعْفِ وَالِانْكِسَارِ وَعُمْدَةُ الدُّعَاءِ الِانْكِسَارُ وَالتَّبَرِّي عَنْ حَوْلِ النَّفْسِ وَقُوَّتِهَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى فضل الله تعالى وإحسانه.
وثانيها: أن المحتسب أَنْ يَذْكُرَ فِي مُقَدِّمَةِ الدُّعَاءِ عَجْزَ النَّفْسِ وَضَعْفَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) [مريم: 4] ثُمَّ يَذْكُرُ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: 4] .