وَاعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ السُّدِّيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُبَشِّرَ بِذَلِكَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لما جاز له أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَارْتَكَبَ هَذَا، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا إِذْ لَوْ جَوَّزَ الْأَنْبِيَاءُ فِي بَعْضِ مَا يَرِدُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ لَجَوَّزُوا فِي سَائِرِهِ وَلَزَالَتِ الثِّقَةُ عَنْهُمْ فِي الْوَحْيِ وَعَنَّا فِيمَا يُورِدُونَهُ إِلَيْنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَائِمٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا يَزُولُ بِالْمُعْجِزَةِ فَلَعَلَّ الْمُعْجِزَةَ لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَحَصَلَ الشَّكُّ فِيهَا دُونَ مَا عَدَاهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) لَيْسَ نَصًّا فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْغُلَامِ وَلَدًا لَهُ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ رَاعَى الْأَدَبَ وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْكَلَامَ هَلْ يَكُونُ لِي وَلَدٌ أَمْ لَا، بَلْ ذَكَرَ أَسْبَابَ تَعَذُّرِ حُصُولِ الْوَلَدِ فِي الْعَادَةِ حَتَّى إِنَّ تِلْكَ الْبِشَارَةَ إِنْ كَانَتْ بِالْوَلَدِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُزِيلُ الْإِبْهَامَ وَيَجْعَلُ الْكَلَامَ صَرِيحًا فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ صَرَّحَ اللَّهُ تَعَالَى بِكَوْنِ ذَلِكَ الْوَلَدِ مِنْهُ فَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ زَكَرِيَّا هَذَا لَا أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلشَّكِّ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لِقُدْرَتِهِ وَهَذَا كَالرَّجُلِ الَّذِي يَرَى صَاحِبَهُ قَدْ وَهَبَ الْكَثِيرَ الْخَطِيرَ فَيَقُولُ أَنَّى سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإِخْرَاجِ مِثْلِ هَذَا مِنْ مِلْكِكَ! تَعْظِيمًا وَتَعَجُّبًا.