[647] فإن قيل: كيف قال: (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) [مريم: 10] والآية العلامة، فطلب العلامة على وجود الولد بعد ما بشره الله تعالى به، أكان عنده شك بعد بشارة الله تعالى في وجوده حتى طلب العلامة؟
قلنا: إنما طلب العلامة على وجود الحمل ليبادر إلى الشكر ويتعجل السرور، فإن الحمل لا يظهر في أول العلوق بل بعد مدة، فأراد معرفته أول ما يوجد، فجعل الله آية وجود الحمل عجزه عن الكلام وهو سوي الجوارح ما به خرس ولا بكم.
[648] فإن قيل: كيف قالت مريم: قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) [مريم: 18] ؛ وإنّما يتعوذ من الفاسق لا من التقي.
قلنا: معناه إن كنت ممن يتّقي الله ويخشاه فانته عنّي بتعوّذي به منك. فمعنى أعوذ أحصل على ثمرة التعوّذ.
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنه كان في زمانها رجل اسمه تقي، ولم يكن تقيّا بل كان فاجرا، فظنته إياه فتعوذت منه. والقول الأول هو الذي عليه المحققون.
وقيل: هو على المبالغة معناه: إني أعوذ منك إن كنت تقيّا فكيف يكون حالي في القرب منك إلى الله تعالى إذا لم تكن تقيّا؟ قالوا: ونظير هذا ما جاء في الخبر: «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» . معناه: أنه إذا كان بحال لو لم يخف الله تعالى لا يوجد منه عصيان، فكيف يكون حاله إذا خاف الله تعالى. وفي قراءة أبي رجاء وابن مسعود إلا أن تكون تقيا.
[649] فإن قيل: اتفق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة ولم يرسل جبريل
عليه السلام برسالة إلى امرأة قط، ولهذا قالوا في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ) [القصص: 7] أنه كان وحي إلهام، وقيل: وحي منام؛ فكيف قال تعالى هنا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا) [مريم: 17] وقال: (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) [مريم: 19] ؟
قلنا: لا نسلم أن الوحي لم ينزل على امرأة قط، فإن مقاتلا قال في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ) [القصص: 7] أنه كان وحيا بواسطة جبريل عليه السلام، وإنما المتفق عليه بين العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل بوحي الرّسالة على امرأة لا بمطلق الوحي، وهنا لم ينزل على مريم بوحي الرسالة؛ بل بالبشارة بالولد، ولهذا جاء على صورة البشر فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) [مريم: 17] .