وما قيل إن هرون آخر كان في بني إسرائيل فاسقا فشبهوها به قول باطل ينافيه سياق الكلام ومبناه لا مستند له ولا مناسبة ، ومن تتمة خطابهم لها ما ذكره اللّه عز ذكره"ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ"شقيا ولا زانيا"وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا"28 بل كانا عفيفين طاهرين منزهين ، وكان اسم أمها حنّة ، مشهورة بالطهارة ومن بيت العفة ، والأجدر أن يتبع الفرع أصله ، فلما ذا جئت على خلاف ضئضئك ومن أين أتاك هذا الولد ؟ وهنا انتهى كلامهم لها فكان جوابها لهم ما ذكره اللّه عز ذكره"فَأَشارَتْ إِلَيْهِ"بأن كلموه هو وأشارت إلى عيسى ليكلمهم فظنوا أنها تهزأ بهم وتسخر عليهم فغضبوا وخاطبوها بعنف"قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا"29 ولم تجر العادة أن يكلم مثله أو يتكلم ، ولا يرد على هذا أن كل إنسان كان في المهد صبيا ثم كبر وتكلم ، لأنه كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح للقريب والبعيد ، وهو
هنا للقريب خاصة ، لأن الكلام مسوق للتعجب ، وكلام الكبير الذي كان في المهد قبل سنين لا يتعجب منه ، فهو إيراد تافه ، كما أن القول بأن كان زائدة واه إذ لا زائد في القرآن ، وهي هنا تامة.
ولما سمع كلامهم مع أمه التفت إليهم عليه السلام وقطع رضاعه وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته على ما قالوا فقال لهم"قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ"الإنجيل لأنذركم به"وَجَعَلَنِي نَبِيًّا"30 حال صباي وإن معجزتي كلامي معكم وأنا طفل.
قال الحسن كان في المهد صبيا وكلامه معجزة له.
وقال أكثر المفسرين إنه أتي الإنجيل وهو صغير ، وكان يعقل عقل الكمل وعبر بالماضي عن المستقبل ، إما باعتبار ما سبق في أزله تعالى أو باعتبار المحقق وقوعه كالواقع.
وقيل معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا ، وهو إخبار عما كتب له في اللوح.