بعد أن ذكر الله تعالى الجواب على شبهات الكفار المبطلين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، أردف ذلك ببيان كثرة الأمثال في القرآن لمن تدبر فيها، ومع تلك الأمثلة الواقعية والإجابات الشافية، هؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة لأن الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال، ثم هددهم تعالى على عدم الإيمان متسائلا: هل هناك مانع يمنعهم من الإيمان إلا نزول عذاب الاستئصال، أو مجيئه عيانا؟ وأبان أن مهمة الرسل هي الجدال في الدين من طريق تبشير المؤمنين بالجنان وإنذار العصاة بالنار، وأوضح أن أشد الناس ظلما هو المعرض عن هداية القرآن، ولله الفضل العظيم في تأخير العقاب عن الناس، وتخصيصه بموعد، لا يتجاوزه، لعلهم يثوبون إلى رشدهم.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا .. أي ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم كل
ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، كي يعرفوا طريق الحق والهدى، ولا يضلوا عنه. وتصريف الأمثال يقتضي التكرار لمختلف وجوه البيان.
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا أي ومع هذا البيان الشافي والتوضيح الكافي، فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة.
وهذا دليل على كثرة الجدال في الإنسان وحبه له، لسعة حيلته، وقوة ذكائه، واختلاف نزعاته وأهوائه.
وبالرغم من بيان القرآن، وكثرة ما يشاهده الكفار من الآيات والدلالات الواضحات، فإنهم قوم متمردون منذ القديم، فقال تعالى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا .. أي وما منع المشركين من أهل مكة من الإيمان بالله، حين شاهدوا البينات والأدلة الواضحة على وجود الله وتوحيده، واستغفار ربهم والتوبة إليه من ذنوبهم إلا طلبهم أحد أمرين: