فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ إرَادَةُ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَرْفَعُ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَدَتْ فِي الْيَمِينِ بِهِ خَاصَّةً لَا تَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ نَافِعٌ فِي كُلِّ يَمِينٍ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ تَنْعَقِدُ مُطْلَقَةً ، فَإِذَا قَرَنَ بِهَا ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا انْعِقَادَهَا ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
وَمُعَوِّلُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يَشَاءُ ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَقَدْ كَانَ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ الْمَشِيئَةِ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْفِعْلِ عَلَامَةٌ عَلَيْهَا ، وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي} الْآيَةَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَمْرٌ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى التَّبَرُّكِ أَوْ التَّأْدِيبِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ مِيعَادِكُمْ.