وهكذا يمكن أن تُذْهب عنك أيَّ ضيق ، أن تسبح الله . وإذا ما جافاكَ البِشْر أو ضايقك الخَلْق ؛ فاعلم أنك قادر على الأُنْس بالله عن طريق التسبيح ؛ ولن تجد أرحم منه سبحانه ، وأنت حين تُسبِّح ربك فأنت تُنزِّهه عن كُلِّ شيء وتحمده ، لتعيش في كَنَف رحمته .
ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] .
ولذلك إذا ضاق صدرك في الأسباب فاذهب إلى المُسبِّب .
ونحن دائماً نقرن التسبيح بالحمد ، فالتنزيه يكون عن النقائص في الذات أو في الصفات أو في الأفعال ، وسبحانه كاملٌ في ذاته وصفاته وأفعاله ، فذاتُه لا تُشْبِه أيَّ ذات ، وصفاته أزلية مُطْلقة ، أما صفات الخَلْق فهي موهبة منه وحادثة .
وأفعال الحق لا حاكمَ لها إلا مشيئته سبحانه ، ولذلك نجده جَلَّ وعَلا يقول في مسألة التسبيح: {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا . .} [يس: 36] .
وهو القائل: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} (الروم: 17] .
وكُلٌّ من المساء والصباح آية منه سبحانه ؛ فحين تغيب الشمس ، فهذا إذْنٌ بالراحة ، وحين تصبح الشمس فهذا إِذْنٌ بالانطلاق إلى العمل ، وتسبيح المخلوق للخالق هو الأمر الذي لا يشارك اللهَ فيه أحدٌ من خَلْقه أبداً .
فكأن سَلْوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أنْ يفزَع إلى ربه من قسوة الخَلْق ؛ ليجد الراحة النفسية ؛ لأنه يَأْوي إلى رُكْن شديد .
ونجد بعضاً من العارفين بالله وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس الإيمانية عزاءً عن جَفْوة الخَلْق لهم ؛ فيقولون:"إذا أوحشك من خَلْقه فاعلم أنه يريد أن يُؤنسك به".