فحين يأخذ المُتطرِّف في الإيذاء ؛ قد يرتدع مَنْ يُؤذِي ، ويتراجع عن الاستمرار في الإيذاء ، وقد يتحوّل بعضهم إلى الإيمان ؛ فمَنْ كانت شِدّته على رسول الله صلى الله عليه وسلم تصبح تلك الشدة في جانب الرسول صلى الله عليه وسلم .
وها هو المثَلُ واضح في عكرمة بن أبي جهل ؛ يُصَاب في موقعة اليرموك ؛ فيضع رأسه على فَخذِ خالد بن الوليد ويسأله: يا خالد ، أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيرد خالد:"نعم". فيُسلِم الروح مُطْمئناً .
وهؤلاء المستهزئون ؛ قد أشركوا بالله ؛ فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوها مع الله شيئاً ، وحين يتأكد لهم ذلك ؛ فَهُمْ يتأكدون من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أبلغ عن الحق سبحانه .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) }
وفي هذا القول الكريم يتجلَّى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة ، فالحق يُكلِّفه أنْ يفعلَ كذا وكذا ، وسبحانه يعلم أيضاً ما يعانيه صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أوامر الحق سبحانه .
ورد هذا المعنى أيضاً في قوله سبحانه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .
فأنت يا رسولَ الله أكرم من أنْ تكذبَ ، فقد شهدوا لك بحُسْن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل الرسالة .
وهنا يقول سبحانه:
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97] .
ومعنى ضيق الصدر أنْ يقِلّ الهواء الداخل عَبْر عملية التنفُّس إلى الرئتين ؛ فمن هذا الهواء تستخلص الرئتان الأوكسجين ؛ وتطرد ثاني أوكسيد الكربون ؛ ويعمل الأكسجين على أنْ يُؤكسِدَ الغذاء لِينتجَ الطاقة ؛ فإنْ ضاق الصَّدْر صارت الطاقة قليلة .