فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمَّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها.
وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة.
والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) }
(لطيفة)
سمع بعض الأعراب قارئا يقرأ {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} فسجد فقيل له ليست بآية سجود!
فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام.
[فَصْلٌ: أَكْمَلُ الْخَلْقِ مَنْ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ]
وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ كُلَّهَا، وَالْخَلْقُ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَفَاوُتُهُمْ فِي مَرَاتِبِ الْجِهَادِ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ خَاتِمَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنَّهُ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَشَرَعَ فِي الْجِهَادِ مِنْ حِينَ بُعِثَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [الْمُدَّثِّرِ: 1 - 4] شَمَّرَ عَنْ سَاقِ الدَّعْوَةِ، وَقَامَ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرًّا وَجِهَارًا، وَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الْحِجْرِ: 94] فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَدَعَا إِلَى اللَّهِ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ.