"جعلت لي الأرض مسجداً"عام ، والخاص يقتضي به على العام كما تقرر في الأصول عند الجمهور. والثاني أن النَّبي صلى الله عليه وسلم استثنى من عموم كون الأرض مسجداً المقبرة والحمام ، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"قال ابن حجر في"فتح الباري"في الكلام على قول البخاري باب"كراهية الصلاة في المقابر"في حديث أبي سعيد هذا رواه أبو داود والترمذي ورجاله ثقات ، لكن اختلف في وصله وإرساله ، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان. وقال الشوكاني رحمه الله"في نيل الأوطار": صححه الحاكم في المستدرك وابن حزم الظاهري ، وأشار ابن دقيق العيد إلى صحته.
قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله ، وثبت موصولاً من طريق صحيحة حكم بوصله ، ولا يكون الإرسال في الرواية الأخرى علة فيه. لأن الوصل زيادة وزيادات العدول مقبولة. وإليه الإشارة بقول صاحب"مراقي السعود":
والرفع والوصل وزيد اللفظ... مقبولة عند إمام الحفظ
ومن أدلة من قال: تصح الصلاة في القبور - ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: أن امرأةَ سوداء كانت تقم المسجد أو شاباً فقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال:"أفلا آذنتموني"قال: فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره. فقال دلُّوني على قبره فدلُّوه فصلَّى عليها. ثمَّ قال:"هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"وليس للبخاري"إن هذه القبور مملوءة ظلمة"إلى آخر الخبر قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر.