57 -وبعد أن تحقَّق عليه السلام مصداق هذه البشرى، ورأى أنهم أتوا مختفين على غير ما عهد عليه ملك الوحي، سألهم عن أمرهم، ليزول عنه الوجل، كما بينه الله سبحانه وتعالى {قَالَ} إبراهيم للضيف {فَمَا خَطْبُكُمْ} ؛ أي: فما أمركم وشأنكم {أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، والاستفهام استخبار، والخطب الأمر الخطير، والشأن العظيم؛ أي: قال لهم: ما الأمر العظيم الذي جئتم لأجله سوى البشرى، وكأنه عليه السلام فهم من مجرى حديثهم في أثناء الحوار أن ليست هذه البشرى هي المقصودة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا؛ لأنهم كانوا عددًا، والبشارة لا تحتاج إلى مثل هذا العدد، ومن ثم اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم - عليهما السلام - ، وأيضًا لو كانت البشارة هي المقصودة لابتدؤوا بها،
58 -فأجابوه بما بينه سبحانه وتعالى {قَالُوا} ؛ أي: الملائكة لإبراهيم {إنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} متناهين، وهم قوم لوط، واكتفوا بهذا القدر من الجواب؛ لأن إبراهيم يعلم أن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لهلاكهم وإبادتهم،
59 -ومما يرشد إلى هذا الفهم قولهم {إِلَّا آلَ لُوطٍ} ؛ أي: إلا أتباع لوط في الدين {إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} فلن نهلكهم، بل ننجيهم من العذاب الذي أمرنا أن نُعَذِّبَ به قوم لوط، وهو قلب مدائنهم، فالاستثناء متصل من الضمير في {مُجْرِمِينَ} ؛ أي: أرسلنا إلى قوم أجرموا جميعًا إلا آل لوط، يريد أهله المؤمنين، فالقوم والإرسال شاملان للمجرمين وغيرهم.