هذا أبلغ ما وصل إليه العنت منهم، وأبلغ ما وصل إليه الرفق في القول بهم، ولكن قضاء اللَّه تعالى قد نفد فيهم جزاء بغيهم وشذوذهم بإرادتهم؛ ولذا قال تعالى في حالهم عند إنزال العذاب بهم:
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)
(اللام) في (لَعَمْرُكَ) لام القسم أو الابتداء، و (عمرك) مبتدأ وخبره محذوف تقديره قسمي، وهي جملة عربية مشهورة في القسم بعمر من يخاطبه، وهو النبي الطاهر يقسم بعمره المبارك، وقوله تعالى:
(إِنَّهمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) جواب القسم، والسكرة هي ضلالة الطغيان فهي تسكر صاحبها فلا يدرك الحق الحق والصواب، و (يَعْمَهُونَ) معناها يتحيرون تائهين لَا يدركون حقا، ولا يطيعون رشيدًا.
ثم قال في وصف العذاب:
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ(73)
كان بالأرض رجفة شديدة هزت قشرة الأرض وتكسرت، فانخفض بعض أجزائها، وعلا الآخر، وبذلك ابتلعت الأرض ديارهم بمن فيها، ووضح سبحانه وتعالى ذلك بقوله:
(فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ(74)
أي أنزلنا الأحجار نزولا متتابعا كالمطر الدائم المستمر، والسجيل: الطين المتجمد أو طين سجل لهم واقع بهم في كتاب من عند ربهم.
ويلاحظ أنه عبر في قوله: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مصْبِحِينَ) فعبر بلفظ الإصباح، وهنا في هذه الآية عبر بـ مشرقين، وكان التعبير الأول مناسبا للآية؛ لأنه كان والملائكة يأمرون لوطا والأبرار معه بالخروج، فكان المناسب التعبير بالإصباح باعتباره نهاية الليل.
وعبر هنا بالإشراق باعتباره أول النهار، وهو وقت، إذ المناسب في ذلك أن يستقبلوا النهار المشرق بتلك الداهية الدهياء التي تجعل نهارهم أسود من قلوبهم المربدة بأقبح السوء.
ولقد ذكر سبحانه ما يدعو المنكرين إلى الاعتبار بقصص قوم، وأشباههم وإن ما نزل بهم هو سبيل دائم مستمر ينزل بالفساق، فيعتبر المؤمنون، فقال تعالى:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(75)
أي لعلامات واضحة مرشدة،