أقول - وبالله وحده أستعين، وعليه أتوكَّل: إذا تفهَّمْنا جيِّدًا مقصد العرب من وضعها لِهذه اللَّفظة، واستعمالها لها، وجَدْنا أنَّ معنى قوله تعالى:"لَعَمْرُكَ"أنَّ الله يريد أن يبشِّر لوطًا - عليه السَّلام - بطول بقائه، وتعميره بعد إهلاك المُجرمين من قومه بِهذا الأسلوب الذي يفيد شرف لوطٍ ورفعة قَدْرِه، لا لشخصه، ولا لِنسَبِه، ولكن لإيمانه الصَّادق بربِّه، وبرسالته التي أرسله ربُّه بها، ولِصَبْرِه الواسع على ما لقي من هذه القرية الكافرة أشنع الكفر، الفاجرةِ أبشع الفُجور، القذرةِ أنْتَن القذارة، كل ذلك لأنَّه إنما يقوم فيهم ليبلِّغ رسالة ربه، وليؤدِّي أمانته التي حَمَّلَه إيَّاها، وقد حان الوعد لتحلَّ بِهم كلمة المنتقم الجبَّار، وجاءت ساعة العذاب الأليم، فكان من أعظم لطف الله وواسع فضله ورحمته بعبده ورسوله لوطٍ - عليه السَّلام - هذا الشرف، وأن يُلْقِيَ عليه من البشارة والسكينة ما يُطمئِنُ قلبه الواجف من عذاب الله وغضبه على الأشقياء المُجرمين، فلقد جاء في الصَّحيح عن عائشة - رضي الله عنها: أن النبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى آية - من ريحٍ عاصف، أو رعد قاصف، أو أشباه ذلك - يُكْثِر الخروج والدُّخول في اضطراب ووجَلٍ، فلا يزول عنه ذلك حتَّى تسكن الرِّيح، أو يَنْزل المطر، وهكذا حال عباد الله المُخْلصين.
و"السَّكرة"الحالة التي تنشأ عندما يَغْشى الإنسانَ من شراب الْمُسكر، أو من الهمِّ والخوف والفزع، أو من استيلاء العِشْق، وتَمكُّن سلطان الْهَوى والغفلة - ينشأ عن كلٍّ حالةُ السُّكر التي تسكر وتغلق مجرى العقل عن التصرُّف في صاحبه، وبالأخصِّ سكر العشق - بحيث يكون سَكْرانُ العشقِ والبهائمُ المتوحشة المفترسةُ سواءً، لا تخطر له العواقب على بالٍ ما دام في سكرته، فهو يتخبَّط مسرعًا بكل قوته البهيميَّة في ظلمات غيِّه وبَغْيِه، لا يدفعه إلا غليان الشَّهوة المشتعلة، ولا يقوده إلاَّ شيطان الفاحشة.