فكم يلقي بنفسه في متالف، وكم يَجْنِي عليها من جناياتٍ تقْشَعرُّ من هولِها الأبدَانُ وهو أعمى أصمُّ أبكم، لا يفيق حتَّى تقع به الكارثة، ويَحلَّ به وبِهم العذاب! ولذلك قال ربُّنا الحكيم سبحانه:"يَعْمَهُونَ" [البقرة: 15] ، والعمَهُ: أشدُّ من العمى؛ لأنَّ العمى في البصر، والعمَهُ في البصيرة والقلب، وأعمى البصرِ يعطيه الله في بقية حواسِّه ما يخفِّف عنه مصيبة فَقْدِ البصر، ولكن أعمى القلب والبصيرة لا يفيد معه بصَرُ العينَيْن ولا بقيَّة الحواسِّ شيئًا؛ لأنَّه - والعياذ بالله - قتل الإنسانية بجميع مزاياها وخصائصها، وعمَّى عليها كلَّ المسالك، نسأل الله العافية.
وإنك حين تتلو هذه الآيات وأخواتِها في مَقابح ومَخازي قوم لوط، وتتأمَّلها حقَّ التأمُّل مفسَّرة أوضح تفسير، ومبيَّنة أظهر بيانٍ في خُلَفائهم وورثَتِهم في هذا الزمان، وفي كلِّ زمان مضى ويأتي، وإنه لم يحلَّ بهم من عذاب ربِّك ما حلَّ بِسَلَفِهم من قوم لوط، فأمعِنِ النَّظر فيهم، وحقِّقِ التأمُّلَ ترَ لعنات الله تحصيهم، وتعجِّل لهم من العذاب الأدنَى دون العذاب الأكبر؛ لعلَّهم يرجعون، فإن لم يرجعوا - وقَلَّ أن يرجعوا - فإنَّ الداء الوبيل، وذلك الانتكاس القذر يحطم كلَّ عناصر الإنسانية، بل ويحطم كلَّ عناصر الحيوانية، فلا بدَّ أن يصيبهم ما أصاب قومَ لوط في الدنيا والآخرة، ولكن أكثر الناس لا يشعرون.
والحمد لله الذي أتَمَّ علينا نعمته بالفطرة السَّليمة، والدين القيِّم، ونسأله سبحانه من فَضْلِه العظيم، وإحسانه العميم أن يُدِيم علينا وعلى إخواننا المؤمنين هذه النِّعمة، وأن يجعلها في زيادة ونُموٍّ حتى نلقاه عليها.
ربِّ اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يَهْدِي لأحسَنِها إلاَّ أنت، واصرف عنا سيِّئَها، لا يصرف عنَّا سيِّئها إلا أنت، ربِّ جنِّبْنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ربِّ تُبْ علينا، إنَّك أنت التواب الرحيم، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على صفوة أنبيائه وخاتَمِ رسُلِه محمَّدٍ عبدِ الله ورسوله، وعلى آله أجمعين.