وقوله تعالى: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} استفهام تعجب؛ كأنه عجيب من الولد على كبره، هذا معنى قول مجاهد، وفَتْحُ النون في (تُبَشِّرُونَ) قرأه العامة، وهذه النون علامة للرفع، والفعل غير معدى إلى مفعول، وقرأ نافع بكسر النون، وذلك أنه عُدِّي إلى المضمر المنصوب؛ لأن المعنى عليه، فاجتمع نونان؛ إحداهما التي هي علامة للرفع، والثانية المتصلة بالياء التي المضمر المنصوب المتكلم، فاستثقل النونين فحذف أحدهما وأبقى الكسرة التي تدل على الياء المفعولة، وأنشد أبو عبيدة لأبي حَيّة النُّمَيريّ:
أبِالمَوْتِ الذي لا بُدّ أنّي ... مُلاقٍ لا أبَاكِ تُخَوِّفِينِي
فأسقط النون التي هي علامة التأنيث في المخاطبة، وأنشد الفراء والزجاج:
تراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الفَالِياتِ إذا فَلَيْنِي
أراد فلينني، فحذف إحدى النونين، قالا: والحذف بعد إدغام إحدى النونين (في الأخرى) كقراءة ابن كثير: (تُبْشِرُون) ، ثم حذفت إحداهما لثقل التضعيف كما قالوا: رُبمَّا ورُبَمَا، وكما قالوا: إنْك في إنَّك، أنشد الفراء:
لقد عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلونَ ... إذا اغْبرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شَمَالا
بأنْكَ الرَّبِيعُ وغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وقِدْمًا هُنَاكَ تَكونُ الثِّمَالا
قال أبو علي: المحذوف النون الثانية؛ لأن التكرير بها وقع، ولم تحذف الأولى التي هي علامة للرفع، وقد حذفوا هذه النونَ في كلامهم لأنها زائدة، ولأن علامةَ الضمير الياءُ دونها، ونظيرُ حذفهم لها من المنصوب حذفهم لها من المجرور في قولهم:
قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَين قَدِي
فحذف وأثبت في بيت، وقال الأعشى في حذف هذه النون اللاحقة مع الياء:
فهل يَمْنَعنّي ارْتِيَادِي البلادَ .... من حَذَرِ المَوْتِ أنْ يأتيَنْ
وإنّما هو يمنعَنّني، وأما ابن كثير فإنه أدغم ولم يحذف.