وأجيب عن ذلك بأنه لا يبعد أن تذكر الصفة أوّلاً ، ثم يذكر الاسم ثم تذكر الصفة مرّة أخرى كما يقال: مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه ، وهو بعينه نظير قوله تعالى: {صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} والآية تفيد حصر ما في السماوات وما في الأرض له لا لغيره ، وذلك ليدلّ على أنه لا مالك إلا الله ، ولا حاكم إلا الله ، وأنه تعالى خالق لأعمال العباد ؛ لأنها حاصلة في السماوات والأرض ، فوجب القول بأنّ أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له ، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله ، وإذا ثبت أنها مقدورة لله وجب وقوعها بقدرة الله ، وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره ، وذلك محال ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال تعالى: {وويل للكافرين} ، أي: الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، وعبدوا من لا يملك شيئاً البتة ، بل هو مملوك لله تعالى ؛ لأنه من جملة ما في السماوات وما في الأرض ، وويل مبتدأ ، وجاز الابتداء به ؛ لأنه دعاء كسلام عليكم وللكافرين خبره ، وقوله تعالى: {من عذاب شديد} ، أي: يعذبهم في الآخرة متعلق بويل ولا يضر الفصل بالخبر ، ثم وصفهم بقوله تعالى:
{الذين يستحبون} ، أي: يختارون {الحياة الدنيا على الآخرة} ، أي: يؤثرونها عليها {ويصدّون عن سبيل الله} ، أي: يمنعون الناس عن قبول دين الله {ويبغونها} ، أي: السبيل {عوجاً} ، أي: معوجة والأصل ويبغون لها زيغاً وميلاً ، فحذف الجار ، وأوصل الفعل إلى الضمير {أولئك} ، أي: الموصوفون بهذه الصفات {في ضلال بعيد} ، أي: عن الحق وإسناد البعد إلى الضلال إسناد مجازي ؛ لأنّ البعيد هم الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني. ثم ذكر ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين بقوله تعالى: