{وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله} والمعنى أي شيء يمنعنا من التوكل على الله {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} إن قيل لم كرر الأمر؟ فالجواب عندي أن قوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار بسلطان مبين أي حجة ظاهره ، فتوكل الرسل في ورودها على الله ، وأما قوله فليتوكل المتوكلون ؛ فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم .
وقال الزمخشري: إن هذا الثاني في معنى الثبوت على التوكل {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أو هنا بمعنى إلا أن ، أو على أصلها ، لوقوع أحد الشيئين ، والعود هنا بمعنى الصيرورة ، وهي كثير في كلام العرب ولا يقتضي أن الرسل ، كانوا في ملة الكفار قبل ذلك .
{خَافَ مَقَامِي} فيه ثلاثة أوجه: هنا وفي {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} في [الرحمن: 46] فالأول أن معناه مقام الحساب في القيامة والثاني: أن معناه قيام الله على عباده بأعمالهم والثالث: أن معناه خافني وخاف ربه ، على إقحام المقام أو على التعبير به عن الذات .
{واستفتحوا} الضمير للرسل أي استنصروا بالله وأصله طلب الفتح وهو الحكم {جَبَّارٍ} أي قاهر أو متكبر {عَنِيدٍ} مخالف للانقياد {مِّن وَرَآئِهِ} في الموضعين والوراء هنا بمعنى ما يستقبل من الزمان ، وقيل: معناه هنا أمامه وهو بعيد {ويسقى} معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى ، وإنما ذكر هذا السقي تجريداً بعد ذكر جهنم ، لأنه من أشد عذابها {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يتكلف جرعه وتصعب عليه إساغته ، ونفي كاد يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد ، ومعنى يسيغه يبتلعه {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي يجد الماء مثل ألم الموت وكربته من جميع الجهات {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي لا يراح بالموت .