وقال الحسن وغيره: جَعَلوا أيدي أنفسِهم في أفواهِ الرسلِ، ردًّا لقولِهم، وهذا أشنعُ في الردِّ، وأذهبُ في الاستطالةِ والنيلِ منهم.
وقال أبو عُبَيد: هذا ضربُ مثلٍ؛ أي: لم يؤمِنوا ولم يُجِيبوا، والعرب تقول للرجلِ إذا سكت عن الجواب وأمسك: ردَّ يدَه في فيه، وقاله الأخفش، وقال ابن عطية: يُحتَمل أن يتجوَّز في لفظةِ"الأيدي"؛ أي: إنهم ردُّوا قوَّتهم ومدافعتَهم ومكافحتَهم - فيما قالوا - بأفواهِهم من التكذيب؛ فكأن المعنى: ردُّوا جميعَ مدافعتِهم في أفواهِهم؛ أي: في أقوالِهم، وعبَّر عن جميعِ المدافعةِ باليدِ؛ إذ الأيدي موضعُ أشدِّ المدافعةِ"؛ اهـ."
وقال الراغب في المفردات:
واستعمالُ الردِّ في ذلك تنبيهًا على أنهم فَعَلوا ذلك مرَّة بعد مرَّة؛ اهـ.
وقال ابن جَرِير الطبري: وأشبهُ هذه الأقوالِ عندي بالصواب في هذه الآية: القولُ الذي ذَكَرناه عن ابنِ مسعودٍ: أنهم رَدُّوا أيديَهم في أفواهِهم؛ فعَضُّوا عليها غيظًا على الرسلِ، كما وصف الله إخوانَهم من المنافقين، فقال: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119] ، فهذا هو الكلامُ المعروفُ، والمعنى المفهوم من ردِّ اليدِ في الفمِ؛ اهـ.
• أقولُ - والله أعلم: إن قولَه - تعالى ذكره: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: 9] ، يدلُّ على هذه المعاني كلِّها، وقد وقَع منهم كلُّ هذه الفعلات الشنيعة؛ فالمرسَلون لم
يَدعُوهم مرَّة واحدة، بل دعَوهم مرارًا، ودَعَوهم سرًّا وجهرًا، ودَعَوهم مجتمِعين ومنفرِدين، ودَعَوهم بكلِّ ما كان يَنْزِل عليهم جديدًا من رسالةِ ربِّهم، والكافرون كانوا يُعرِضُون عنهم بأنواعِ الإعراضِ، ويَتَفنَّنُون في السخريةِ منهم والاستنكارِ؛ فهو وصفٌ لشدَّة جمودِهم على الباطلِ، وشحِّهم بقلوبِهم أن تَلِين للهدى فتَنتَفِع برسالةِ المرسَلين، وحرصٌ أشد الحرصِ على أوعيةِ هذه القلوبِ أن يُحَلّ وِكَاؤها، وتكشف عنها أكنَّتُها وغلفُها، فتُبذَل للهِ ولدينِه ورسلِه.