وقوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} الجعل هنا يطلب مفعولين، لأنه بمعنى التصيير، وهما (أفئدة) و (تهوي) . و (مِن) للتبعيض، قال أبو إسحاق: أي: اجعل أفئدةَ جماعة من الناس. وإنما نُكّر المضاف إليه لتنكير {أَفْئِدَةً} في الآية ليتناول بعض الأفئدة، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب، سمي فؤادًا لاتِّفاده بالخواطر والعُزُوم، من قولهم: فأدت اللحم وافتأدته، إذا شويته.
وقرئ: (آفدة) على القلب، كقولهم: آدر في أدؤر، فيكون وزنها أعفلةً.
وقوله: {تَهْوِي إِلَيْهِمْ} الجمهور على فتح التاء وكسر الواو، وماضيه هَوَى بفتح العين، يقال: هوى إليه يهوي هويًا، إذا أسرع إليه ومال، يعضده
قول ابن عباس - رضي الله عنهما: تريدهم وتسرع إليهم.
وقرئ: (تهوَى إليهم) بفتح الواو، من هوِيت فلانًا أهواه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر هوى، إذا أحببته، غير أنه ضمن معنى تميل، فعدي تعديته، لأن معنى هويت فلانًا: ملت إليه.
وقرئ: (تُهْوَى إليهم) بضم التاء على البناء للمفعول على النقل من تهوِي، يقال: هوى إليه وأهواه غيره إليه، ويجوز أن يكون منقولًا من تهوَى، كلاهما هنا شائع.
{رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) } :
قوله عز وجل: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ} أي: شيء ما. و {مِنْ} لاستغراق الجنس.
وقوله: {عَلَى الْكِبَرِ} أي: مع الكبر، ومحله النصب على الحال، من ياء النفْس في {وَهَبَ لِي} أي: وهب لي وأنا كبير.
وقوله: {لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} فيه وجهان:
أحدهما: من إضافة الصفة إلى مفعولها، والأصل: لسميعٌ الدعاءَ، وفعيل من أبنية المبالغة، وهو يعمل عمل الفعل.
والثاني: من إضافة فعيل إلى فاعله، ويجعل دعاء الله سميعًا على الإسناد المجازي، والمراد: سماع الله جل ذكره.