قوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ} ، أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم: لنهلكن، وقال لهم: استفتحوا، أي: استنصروا الله عليهم واستحكموه بينكم وبينهم: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} ومنه الحديث:"أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح بصعاليك المهاجرين"أي يستنصر بهم.
وقيل: استفتح القوم على الرسل ظنًا منهم أنهم على الحق.
وقيل: استفتح الجميع: الرسل والمرسل إليهم.
{وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: بطل أمل كل عات متكبر عن طاعة ربه، مائل عن الحق، عادل عنه. ويجوز في الكلام رفع {عَنِيدٍ} على النعت لـ {كُلُّ} .
{مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) } :
قوله عز وجل: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} في موضع رفع على النعت لـ {كُلُّ} أو جر على النعت لـ {جَبَّارٍ} .
وقوله: {وَيُسْقَى} عطف على محذوف، كأنه قيل: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد.
وقوله: {مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} فيه وجهان:
أحدهما: صفة الماء محذوفة، أي: من ماء مثل صديد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والصديد، ماء الجُرْحِ، وهو ماء رقيق
مختلِط بالدم قبل أن تَغْلظَ المِدَّةُ، هذا أصله في اللغة، وفي التفسير: هو ما يسيل من جلود أهل النار.
والثاني: هو وصف للماء، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: من ماء مصدود عنه لكراهيته.
وقيل: {صَدِيدٍ} عطف بيان لـ {مَاءٍ} ، وذلك أنه لما قال: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ} فأبهمه إبهامًا، ثم بينه بقوله: {صَدِيدٍ} .
{يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) } :
قوله عز وجل: {يَتَجَرَّعُهُ} فيه وجهان، أحدهما: وصف لـ {مَاءٍ} والثاني: حال من المنوي في (يسقى) ، ومعنى يتجرعه: يتكلف جرعه، وهو أن يشرب جرعة جرعة لمرارته وكراهيته.