(فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فِي نُفُوذِ الْمَشِيئَةِ، وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ، وَلَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلَى (لِيُبَيِّنَ) لِأَنَّ الْإِرْسَالَ إِنَّمَا وَقَعَ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلْإِضْلَالِ.
وَيَجُوزُ النَّصْبُ فِي (يُضِلُّ) لِأَنَّ الْإِرْسَالَ صَارَ سَبَبًا لِلْإِضْلَالِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص: 8] وَإِنَّمَا صَارَ الْإِرْسَالُ سَبَبًا لِلْإِضْلَالِ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِهِ لَمَّا جَاءَهُمْ، فَصَارَ كَأَنَّهُ سَبَبٌ لِكُفْرِهِمْ
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(5)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) أَيْ قُلْ لَهُمْ قَوْلًا يَتَذَكَّرُونَ بِهِ أَيَّامَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا، أَيْ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمِنَ التِّيهِ إِلَى سَائِرِ النِّعَمِ، وَقَدْ تُسَمَّى النِّعَمُ الْأَيَّامَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طوال
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمُقَاتِلٍ: بِوَقَائِعِ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ عَالِمٌ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ، أَيْ بِوَقَائِعِهَا.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي الْأَيَّامَ الَّتِي انْتَقَمَ فِيهَا مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَاؤُهُ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: وَعِظْهُمْ بِمَا سَلَفَ فِي الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ لَهُمْ، أَيْ بِمَا كَانَ فِي أَيَّامِ اللَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْمِحْنَةِ، وَقَدْ كَانُوا عَبِيدًا مُسْتَذَلِّينَ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَيَّامِ عَنْهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ.