ولم يفعل الكفار هكذا ؛ بل تمادَوْا في الغَيِّ إصراراً على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة ؛ أما مَنْ أسلم منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة ؛ ولم يُصِر على المُعْتَنق القديم ؛ بل درسَ وقارنَ ؛ فأسرع إلى الإسلام .
أما مَنْ كان قلبه مشغولاً بالعقيدة السابقة ؛ ويريد أنْ يُدخِل العقيدة الإسلامية في قلبه ؛ فهو لم ينجح في ذلك ؛ لأن قلبه مشغولٌ بالعقيدة القديمة .
وإذا كنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد من هؤلاء أن يؤمنوا ؛ فلابد أن يعتمد ذلك على إرادتهم ، وأنْ يُخرِجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة ؛ وأنْ يبحثوا عن الأصحِّ والأفضل بين العقيدتين .
ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى الحقائق بسهولة ، فيقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ...} [سبأ: 46]
أي: قُلْ يا محمد لِمَنْ كفر بك: إنِّي أعظكم عِظَة ، وأنت لا تَعِظ إلا مَنْ تحب أن يكون على الحق ؛ وهذا يُفسر قول الحق سبحانه: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]
ولهذا يريد صلى الله عليه وسلم أن تكونوا مؤمنين ؛ لذلك يدعوكم أن تقوموا لله ؛ لا لِجَاهِ أحد غيره ؛ لأن جاه أيِّ كائن سيزول مَهْمَا كان هذا الواحد ، ولا تقولن لنفسك: إن العبيد سيتساوون معك .
بل قُمْ لله إما مثنى أي أن تكون قائماً ومعك آخر ؛ أو يقوم غيرك اثنين اثنين ليناقش كل منكم مع من يجلس معه ؛ ولا يتحيز أحد منكم لِفكْر مُسْبق بل يُوجِّه فكره كله متجرداً لله .