فالمُتْرَف يريد أن يكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى ؛ لأنه يملك الجِيَاد التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة ، أما مَنْ ليس لديه مطية ؛ فهو يحب أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أنْ يستريح .
ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر ، فحين زادَ الترف صارتْ السيارات تقطَع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقُّف ؛ عَكْس ما كان يحدث قديماً حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها ، فيتوقفون في مُنتصَفِ الطريق .
ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ ، يقول الحق سبحانه: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وظلموا أَنفُسَهُمْ ...} [سبأ: 19]
أي: اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة ، كي يتمتع المُسافِر القادرُ بالمناظر الطيبة .
ولاحظنا أيضاً تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة ؛ بأنْ طلبوا إحياء المَوْتى في قول الحق سبحانه: {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى ...} [الرعد: 31]
وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله ولقريش ؛ ليسألوه: أحَقٌّ ما جاء به محمد؟ ولكن القرآن لم يَأْتِ لِمثْل تلك الأمور ؛ وحتى لو كان قد جاء بها لَمَا آمنوا .
ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خَاتَمٌ صالح لكل عصر ؛ وتلك معجزته .
ويقول سبحانه: {بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً ...} [الرعد: 31]
وكلمة"أمر"تدلُّ على أنه شيء واحد ، وكلمة"جميعاً"تدل على مُتعدِّد ، وهكذا نجد أن تعدُّد الرسالات والمُعْجِزات إنما يدلُّ على أن كُلَّ من أمر تلك الرسالات إنما صدرَ عن الحق سبحانه ؛ وهو الذي اختار كلَّ مُعْجزة لتناسب القومَ الذين ينزل فيهم الرسول .
ويتابع سبحانه: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً ...} [الرعد: 31]