يوم الدنيا ليل ويوم الآخرة نهار فيه يتجلى الحق المبين، وإنما يكون موجود ما هو
النهار آية عليه في الجنة في جوار الله - جلَّ جلالُه - وموجود ما هو الليل آية عليه في جهنم
-أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - لهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل في
الظلمات السفلى - نعوذ بالله منها - آية تجلي الحق المبين في الجنة تجلي الشمس
في الدنيا.
قوله - جلَّ جلالُه -: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) لما كانت
الجملة التي زمها أم الكتاب محتوية على جميع المعلومات والمذكورات كان
تفصيلها بالفعل والذكر على سنن الحكمة والتذكير لنا بذلك من أعظم المنن علينا؛
لذلك قال عز من قائل: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) كل
موقت مؤجل، فهو آية على إتيان الساعة واليوم الآخر وبخاصة الليل والنهار، فإن
في انقضاء النهار إتيان الليل، وبانقضاء الليل إتيان النهار.
وكل موجودات الخليقة فلها كتاب، وكل كتاب فمؤجل بأجل مسمى، فإذًا كل
ما في الدنيا مؤذن بانقراضها وبإتيان الآخرة، وبخاصة في العبرة النهار، فاجعل
معلومات ما فيه العلم بلقاء الله جل ذكره لما فيه من موجود الشمس، لذلك قال
جلَّ قوله: (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) وقد تقدم الكلام في قوله جلَّ
قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا...) الآيتين.
(فصل)
سبيل العبرة بجريان الشمس والقمر والنجوم، واختلاف الليل والنهار انقضاء
الآجال وتمام الأوقات، وتعاقب اليالي والأيام والشهور والأعوام، وقد تقدمت
إثارة إلى المطلوب الأعلى.
ثم قال وقوله الحق: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ...(3)
مد الأرض على الماء: تحملها قدرته، ثم أرسى الجبال فوقها ألا تميد
بما عليها نصبها على المقدار المراد بها، وجعل قننها وزن مدار الشمس والقمر
والنجوم بسير مقدر، وارتفاع وانحطاط يكون عنه الليل والنهار ظاهرًا وباطنًا، وتدبير
الأمر المراد منها به كذلك ما فوق ذلك إلى العرش العظيم كل على مقدار ما شاءه