عنه بقوله: (الحَق المبينِ) وإنما أشكل على الأكثرين أن الوحي والقرآن وسائر
الكتب قد زم كل ذلك الكتاب المحفوظ زائدًا إلى ما زمه من سائر الوجود أجمع،
فمتى غبر بالوحي أو علم بمعلوم لم يخرج عن موجود اللوح المحفوظ، فلزم عرف
العهد والقرب به، فجهل لأجل ذلك من غير ارتياب ولا شك، وكيف يجوز وجود
ارتياب في مشاهد حاضر لمن يشعر المعنى، ولا يتفطن بالحقيقة.
قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ... (2) . إلى قوله
جلَّ قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4) . هذا كله إعلام منه جل
ذكره ببعض ما ثبت في اللوح المحفوظ من موجودات، وهو معنى قوله جلَّ قوله:
(المر) فجعل كل ذكر يسرد مكتوب الكتاب المعبر عنه - وهو أعلم بما ينزل -
بالحروف المفردة المعبرة عن أسمائه.
يقول جلَّ قوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) فذكر
-جل ذكره - الاسم الأعظم الذي جميع الأسماء مفسرة له، وإنه الرافع للسماوات،
وكما رفعهن فكذلك وضعهن، ولذلك خلقهن وما بينهن، ورفعهن على غير عمد
مرئية، فهي إذًا قدرته، فهو الله الخالق الرافع الواضع عمد الجملة بقدرته، فهو القيوم
وهو الحي لا شك ولا ريب، وهو القادر استوى على العرش يدبر الأمر فهو
المستوي، وهو المدبر المفصل، وهو المريد يفصل الآيات، وسخر الشمس والقمر
والنجوم وما في السماوات وما في الأرض فهو المسخر(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). الجاعل كل يجري لأجل
مسمى، والليل كل يجري لأجل مسمى، ذلك آية على انقراض يوم الدنيا ووجود
يوم الآخرة هو عاقبه وخالقه.
(عبرة) :
قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً)وليس عند ربنا ليل ولا نهار، إنما هو الدهر ضياء ونوره
مبصر كله أبدًا.
وقال وقوله الحق: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) اثنان على ما ذكر فيما هنالك