يَقُولُ: فَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}
يَقُولُ: وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي «لَهُمْ» مِنْ ذِكْرِ الْقَوْمِ الَّذِينَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا} مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَالٍ، يَعْنِي: مِنْ وَالٍ يَلِيهِمْ وَيْلِي أَمَرَهُمْ وَعُقَوبَتَهُمْ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ: السُّوءُ: الْهَلَكَةُ، وَيَقُولُ: كُلُّ جُذَامٍ، وَبَرَصٍ، وَعَمًى، وَبَلَاءٍ عَظِيمٍ، فَهُوَ سُوءٌ، مَضْمُومُ الْأَوَّلِ، وَإِذَا فُتِحَ أَوَّلُهُ فَهُوَ مَصْدَرُ سُؤْتَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلُ سَوْءٍ،
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} وَمَنْ هُوَ ظَاهَرٌ بِاللَّيْلِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَظْهَرْتَهُ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
[البحر الوافر]
فَإِنْ تَكْتُمُوا الدَّاءَ لَا نَخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الْحَرْبَ لَا نَقْعُدِ
وَقَالَ: وَقَدْ قُرِئَ (أَكَادُ أَخْفِيهَا) بِمَعْنَى: أُظْهِرُهَا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} السَّارِبُ: هُوَ الْمُتَوَارِي كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ صَارَ فِي السَّرَبِ بِالنَّهَارِ مُسْتَخْفِيًا.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: إِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ: أَيْ مُسْتَتِرٌ بِاللَّيْلِ مِنَ الِاسْتِخْفَاءِ، وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: وَذَاهِبٌ بِالنَّهَارِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: سَرَبَتِ الْإِبِلُ إِلَى الْمَرَاعِي، وَذَلِكَ ذَهَابُهَا إِلَى الْمَرَاعِي وَخُرُوجُهَا إِلَيْهَا
وَقِيلَ: إِنَّ السُّرُوبَ بِالْعَشِيِّ وَالسُّرُوحَ بِالْغَدَاةِ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَأْنِيثِ مُعَقِّبَاتٌ، وَهِيَ صِفَةٌ لِغَيْرِ الْإِنَاثِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهَا، نَحْوَ: نَسَّابَةُ وَعَلَّامَةٌ، ثُمَّ ذُكِّرَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُذَكَّرٌ، فَقَالَ: يَحْفَظُونَهُ،