والثالثة: كونها من أمر الله ، وإن جعلنا من بين يديه ومن خلفه يتعلق بقوله: يحفظونه ، فيكون إذ ذاك معقبات وصفت بصفتين: إحداهما: يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.
والثانية: قوله: من أمر الله أي: كائنة من أمر الله.
غاية ما في ذلك أنه بدئ بالوصف بالجملة قبل الوصف بالجار والمجرور ، وذلك شائع فصيح ، وكان الوصف بالجملة الدالة على الديمومة ، في الحفظ آكد ، فلذلك قدم الوصف بها.
وذكر أبو عبد الله الرازي في الملائكة الموكلين علينا ، وفي الكتبة منهم أقوالاً عن المنجمين وأصحاب الطلمسات ، وناس سماهم حكماء الإسلام يوقف على ذلك من تفسيره.
ولما ذكر تعالى إحاطة علمه بخفايا الأشياء وجلاياها ، وأن الملائكة تعقب على المكلفين لضبط ما يصدر منهم ، وإن كان الصادر منهم خيراً وشراً ، ذكر تعالى أن ما خولهم فيه من النعم وأسبغ عليهم من الإحسان لا يزيله عنهم إلى الانتقام منهم إلا بكفر تلك النعم ، وإهمال أمره بالطاعة ، واستبدالها بالمعصية.
فكان في ذكر ذلك تنبيه على لزوم الطاعة ، وتحذير لوبال المعصية.
والظاهر أنْ لا يقع تغير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي.
قال ابن عطية: وهذا الموضع مؤول ، لأنه صح الخبر بما قدرت الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة وبالعكس ، ومنه قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن} الآية.
"وسؤالهم للرسول (صلى الله عليه وسلم) : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم إذا كثر الخبث في أشياء كثيرة""
فمعنى الآية: حتى يقع تغيير إما منهم ، وإما من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم تسبب ، كما غير الله تعالى المنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم ، إلى غير هذا في أمثله الشريعة.
فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير.
وثم أيضاً مصائب يزيد الله بها أجر المصاب ، فتلك ليست تغييراً انتهى.