يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَجَحَدُوا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَقَالُوا {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا قُدْرَةَ رَبِّهِمْ وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ فِي أَعْنَاقِهِمُ الْأَغْلَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ، يَقُولُ: هُمْ سُكَّانُ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
يَقُولُ: هُمْ فِيهَا مَاكِثُونَ أَبَدًا، لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ تَعَالَى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ بِالْبَلَاءِ وَالْعُقُوبَةِ قَبْلَ الرَّخَاءِ وَالْعَافِيَةِ، فَيَقُولُونَ: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا حَلَّ بِمَنْ خَلَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي عَصَتْ رَبَّهَا، وَكَذَّبَتْ رُسُلَهَا مِنْ عُقُوبَاتِ اللَّهِ وَعَظِيمِ بَلَائِهِ، فَمِنْ بَيْنَ أُمَّةٍ مُسِخَتْ قِرَدَةً وَأُخْرَى خَنَازِيرَ، وَمِنْ بَيْنَ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بِالرَّجْفَةِ، وَأُخْرَى بِالْخَسْفِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَثُلَاتُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} وَالْمَثُلَاتُ: الْعُقُوبَاتُ الْمُنْكِلَاتُ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا: مَثُلَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الثَّاءِ، ثُمَّ تُجْمَعُ مَثُلَاتٍ كَمَا وَاحِدَةُ الصَّدَقَاتِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ تَجْمَعُ صَدَقَاتٍ، وَذُكِرَ أَنَّ تَمِيمًا مِنْ بَيْنَ الْعَرَبِ تَضُمُّ الْمِيمَ وَالثَّاءَ جَمِيعًا مِنَ الْمَثُلَاتِ، فَالْوَاحِدَةُ عَلَى لُغَتِهِمْ مِنْهَا مُثْلَةٌ، ثُمَّ تُجْمَعُ عَلَى مُثُلَاتٍ، مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ: مَثَلْتُ بِهِ أَمْثُلُ مَثْلًا، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَسْكِينِ الثَّاءِ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ أَقْصَصْتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، قُلْتُ: أَمْثَلْتُهُ مِنْ صَاحِبِهِ أُمْثِلُهُ أَمْثَالًا، وَذَلِكَ إِذَا أَقْصَصْتَهُ مِنْهُ.