قال القاشاني: لما رأى شعيب عليه السلام ، ضلالتهم بالشرك ، واحتجابهم عن الحق بالجبت ، وتهالكهم على كسب الحطام بأنواع الرذائل ، وتماديهم في الحرص على جمع المال بأسوأ الخصال ؛ نهاهم عن ذلك ، وقال: إني أراكم بخير في استعدادكم من إمكان حصول كمال وقبول هداية ، وإني أخاف عليكم إحاطة خطيئاتكم ؛ لاحتجابكم عن الحق ، ووقوفكم مع الغير ، وصرف أفكاركم بالكلية إلى طلب المعاش ، وإعراضكم عن المعاد ، وقصور هممكم على إحراز الفاسدات الفانيات عن تحصيل الباقيات الصالحات ، فلازموا التوحيد والعدالة واعتزلوا عن الشرك والظلم ، الذي هو جماع الرذائل وأم الغوائل .
{وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي: لا تعملوا فيها الفساد . يعم أيضاً تنقيص الحقوق وغيره ، كالسرقة ، والدعاء إليه ، والصد عن الإيمان ونحوها .
القول في تأويل قوله تعالى:
{بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} [86] .
{بَقِيَّةُ اللّهِ} أي: ثوابه الباقي على وفاء الكيل والوزن ، أو ما أبقاه عليكم بعد التنزه عن الحرام ، أو ما تفضل عليكم من الربح بعد وفائهما: {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: في دينكم ودنياكم: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن المؤمن يبارك له إذا تنزه عن الحرام . أو مصدقين بما أقول .
وقال القاشاني: أي: إن كنتم مصدقين ببقاء شيء ، فما يبقى لكم عند الله من الكمالات والسعادات الأخروية ، خير لكم من تلك المكاسب الفانية التي تشقون بها ، وتشقون على أنفسكم في كسبها وتحصيلها ، ثم تتركونها بالموت ، ولا يبقى منها معكم شيء إلا وبال التبعات والعذاب اللازم ، لما في نفوسكم من رواسخ الهيئات .
{وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} أي: رقيب لأحفظكم عن القبائح وأكفكم عنها بسيطرة . وإنما أنا مبلغ نذير .
القول في تأويل قوله تعالى: