قلت: نهوا أولاً عن عين القبح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ؛ لأن في التصريح بالقبيح بغياً على المنهي ، وتعييراً له . ثم ورد الأمر بالإيفاء ، الذي هو حسن في العقول ، مصرحاً بلفظه لزيادة ترغيبٍ فيه ، وبعث عليه ، وجيء به مقيداً (بالقسط) أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية ، من غير زيادة ولا نقصان أمراً بما هو الواجب ؛ لأن ما جاوز العدل فضل ، وأمر مندوب إليه ، وفيه توقيف على أن الموفي عليه أن ينوي بالوفاء القسط ؛ لأن الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل . فهذه ثلاث فوائد . انتهى - .
{وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} أي: لا تنقصوهم حقوقهم بطريق من الطرق ، كالكيل والوزن وغيرهما ، فهو تعميم بعد تخصيص ؛ لأنه أعم من أن يكون في المقدار وغيره . والبخس: الهضم والنقص . ويقال للمكس: البخس ، قال زهير:
أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع أمرؤ بخس درهم
ألا تستحي منا ملوك وتتقي محارمنا لا تتقي الدم بالدم
وروي (مكس درهم) . يريد زهير: أخذ الخراج وما هو اليوم في الأسواق من رسوم وظلم . وكان قوم شعيب يأخذون من كل شيء يباع شيئاً ، كما تفعل السماسرة ، أو كانوا يمكسون الناس ، أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء ، فنهوا عن ذلك ، كذا في"الكشاف"و"شرحه".