و {أَن يُصِيبَكُمُ} في محل نصب على أنه مفعول ثان ليجرمنكم {مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الغرق {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} من الريح {أَوْ قَوْمَ صالح} من الصيحة ، وقد تقدّم تفسير يجرمنكم وتفسير الشقاق {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ} يحتمل أن يريد ليس مكانهم ببعيد من مكانكم ، أو ليس زمانهم ببعيد من زمانكم ، أو ليسوا ببعيد منكم في السبب الموجب لعقوبتهم ، وهو مطلق الكفر ، وأفرد لفظ {بَعِيدٍ} لمثل ما سبق في {وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ} .
ثم بعد ترهيبهم بالعذاب أمرهم بالاستغفار والتوبة ، فقال: {واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ وَدُودٌ} وقد تقدّم تفسير الاستغفار مع ترتيب التوبة عليه في أوّل السورة ، وتقدّم تفسير الرحيم ، والمراد هنا: أنه عظيم الرحمة للتائبين ، والودود: المحبّ.
قال في الصحاح: وددت الرجل أودّه ودّاً: إذا أحببته ، والودود المحب ، والودّ والوُدّ والوَدّ: المحبة ، والمعنى هنا: أنه يفعل بعباده ما يفعله من هو بليغ المودّة بمن يودّه من اللطف به ، وسوق الخير إليه ، ودفع الشرّ عنه.
وفي هذا تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار والتوبة.
جملة: {قَالُواْ ياشُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ} مستأنفة كالجمل السابقة ، والمعنى: أنك تأتينا بما لا عهد لنا به من الإخبار بالأمور الغيبية ، كالبعث والنشور ، ولا نفقه ذلك: أي نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة ، فيكون نفي الفقه على هذا حقيقة لا مجازاً.