فيكون مَنْطُوقًا بهذا الاعتبار وإن كان إشَارَة لغة وفي اصْطلَاح غيرهم قوله محض التوحيد
أي في الْعبَادَة وفي الخالقية.
قوله: (الذي هُوَ أقصى مراتب العلم بالمبدأ) المعبر عنه بالاستقامة فإنه كمال الْقُوَّة
النظرية وفيه إشَارَة إلَى أن من عرف نفسه بالعجز والفناء عرف خالقه بالقدرة والبقاء وهذا
معنى ما قيل:"من عرف نفسه فقد عرف ربه".
قوله: (إشَارَة إلَى معرفة المعاد) أي حشر الأجساد. وجه التَّعْبير بالإشَارَة قد مَرَّ بَيَانُهُ
فلا نعيده واعلم أن السعادة العظمى والمرتبة العليا للنفس الناطقة معرفة الصانع بما له من
الصفات العلي والتنزه عن سمات النقصان وبما صدر عنه من الآثار والإفعال في النشأة
الأولى والأخرى فهو عَلَيْهِ السَّلَامُ أَشَارَ إلَى إحراز هذه المرتبة بهذه المقالات البهية ترغيبًا
للطالبين وزجرًا للهاربين.
قوله: (وهو أَيْضًا يفيد الحصر بتقديم الصلة عَلَى الْفعْل) أي تقديم الصلة ليس لرعاية
الفاصلة فقط بل لإفادة الحصر أَيْضًا وهذا سبب التعرض له. والْمَعْنَى توكلي وإنابتي مقصور
على الاتصاف بكونه عليه وإليه تَعَالَى فهو قصر الْمَوْصُوف عَلَى الصّفَة والقصر حقيقي لا
يجري في الْمَشْهُور كونه قلبًا أو إفرادًا أو تعيينا.
قوله: (وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإصابة الحق فيما يأتيه) قد مَرَّ تَوضيحُهُ فيما
يأتي من الأفعال والمأمورات.
قوله: (ويذره من الله تَعَالَى) أي يتركه من الآثام والمنهيات وهذا التعميم مُسْتَفَاد من
المصدر الْمُضَاف المفيد للعموم أو من حذف المتعلق لأنه قد يكون للتعميم.
قوله: (والاستعانة به في مجامع أمره) عطف عَلَى طلب مأخوذ من قصر التوكل
وكون الاستعانة في مجامع أمره مُسْتَفَاد من حذف صلة التوكل.
قوله: (والإقبال عليه بشراشره) مفهوم من قوله: (وإليه أنيب) شراشره
واحده شرشيرة وأصله الجسد أو النفس أو الأثقال. والْمَعْنَى الْمُرَاد هنا بكليته.
قوله: (وحسم أطماع الكفار) عطف عَلَى الاستعانة أو طلب وإطماع الْكُفَّار مُسْتَفَاد
من قولهم (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) أما عَلَى الثاني في تفسيره فظاهر، وأما عَلَى الأول
فلأنهم تهكموا به ليرتدع فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ:" [حَسْمًا وقطعًا] لطمعهم: إن اعتمادي عَلَى الله"
تَعَالَى ورجائي ليس إلا منه ولا أخالف ذلك بتحقيق رجاء غيره خلافًا لمرضاته تَعَالَى ولا
أبالي بتقريعهم والاشتغال بما لا يعنيهم فعنده ينقطع إطماعهم ويحصل بأس في آمالهم"."
قوله:(وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم بالرجوع إلَى الله
للجزاء)مأخوذ من قوله: (وإليه أنيب) إذ المقصود من المقام مجازاة الله
تَعَالَى المكلفين عَلَى أعمالهم فالْإخْبَار بذلك إنشاء تهديدهم؛ إذ لا قائل بالفصل فإذا كان
رجوعه عَلَيْهِ السَّلَامُ إليه تَعَالَى كان رجوعهم أَيْضًا إليه تَعَالَى، ويجوز أن يكون قوله: (وإليه