قلت: الجواب الشافي عن هذا أنْ يقال: إنَّ الله سبحانه وتعالى متصرِّف في خَلْقِهِ، وهو المالك المطلقُ، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسْألُ عما يفعل، وهم يسألون، لا ما قيل: من أن الله عَزَّ وَجَلَّ أعْقَمَ أَرْحَامَ نسائهم أربعين سنة، فلَمْ يُولد لهم ولد في تلك المدَّة، لأنَّ هذا الجواب ليس بقويٍّ لأنه يَرِدُ عليه إغراقَ جميع الدواب والهوام والطير.
{قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... (46) }
قال الزَّمخشري: فإنْ قُلْتَ: فَهَلَّا قيل: إنه عمل فاسد؟
قلتُ: لمَّا نفاه من أهله نَفَى عنه صِفَتَهم بكلمة النفي التي يُستنفى بها معها لفظ المنفي، وأذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله بصلاحهم لا لأنهم أهلك وأقاربك، وإنَّ هذا لمَّا انتفى عنه الصَّلاحُ لم تنفعه أُبُوَّتُكَ.
والظاهر: أن الضمير في أنه عائد على ابن نوح، لا على النداءِ المفهوم من قوله: {وَنَادَى} المتضمّن سؤالَ ربَّهِ، وجعَلَه نفس العمل مبالغة في ذمِّهِ هذا على قراءة جمهور السبعة (عَمَلٌ) بلفظ المصدر.
وقرأ الكسائي: {عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ} على جعله فعلًا ناصبًا {غير صالح} وهي قراءة عليّ وأنس، وابن عباس، وعكرمة، ويعقوب، وعائشة، وروتها عائشة وأم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يُرَجِّحُ أن الضميرَ يعود على ابن نوح، قيل: ويرجِّح كونَ الضمير في أنه عائدًا على نداءِ نوح المتضمن السؤالَ أنَّ في مصحف ابن مسعود: {إنه عملٌ غيرُ صالح أن تسألني ما ليس لك به علم} وقيل: يعودُ الضمير في هذه القراءةِ على ركوب ولد نوح معهم الذي تضمَّنه سؤالُ نوح.
المعنى: أن كونَه مع الكافرين، وتركَه الركوبَ مع المؤمنين، عمل غيرُ صالح، وكون الضمير في أنه عائدًا على غير ابن نوح عليه السلام تكلفٌ وتعسفٌ لا يليق بالقرآن، ذكره أبو حيان.
{يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) }
وإنما جعل الصلةَ فِعلَ الفطرة لكونه أقدمَ النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة للشكر.
وإنما قال فيما تقدم في قصة نوح: {مَالًا} ، وهنا قال: {أَجْرًا} لذكر الخزائن بَعْدَه في قصة نوح، ولفظُ المال بها ألْيَق.
وفي"الجمل"قوله: {أَجْرًا} قال في نوح مالًا، وهنا أجرًا تَفنُّنًا، اهـ.