وإنما قال (من الله) ولم يقل مني لأن نفي العزة عنه وإثباتها لقومه كما يدل عليه إيلاء الضمير حرف النفي استهانة به والاستهانة بأنبياء الله استهانة بالله عز وجل، فقد تضمن كلامهم أن رهطه أعز عليهم من الله، فاستنكر ذلك عليهم وتعجب منه وألزمهم مما لا مخلص لهم عنه ولا مخرج لهم منه بصورة الاستفهام، وفي هذا من قوة المحاجة ووضوح المجادلة وإلقام الخصم الحجر ما لا يخفى.
(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ(97)
أي أرسلناه بذلك إلى هؤلاء، وقد تقدم أن الملأ أشراف القوم، وإنما خصهم بالذكر دون سائر القوم لأنهم أتباع لهم في الإصدار والإيراد، وخص هؤلاء الملأ دون فرعون بقوله (فاتبعوا أمر فرعون) أي أمره لهم بالكفر لأن حال فرعون في الكفر أمر واضح إذ كفر قومه من الأشراف وغيرهم إنما هو مستند إلى كفره.
ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه وطريقه فيعم الكفر وغيره.
(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107)
(خالدين) لابثين (فيها) أي في النار (ما دامت السماوات والأرض) ما مصدرية أي مدة دوامهما في الدنيا وهذه المدة غير ما يزيده الله مما لا نهاية له ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت.
وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت لأنه قد علم بالأدلة القطعية تأبيد عذاب الكفار في النار وعدم انقطاعه عنهم.
وثبت أيضاً إن السماوات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا فقالت طائفة: أن هذا الإخبار جار على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام الشيء قالوا هو دائم ما دامت السماوات الأرض ومنه قولهم لا آتيك ما جن الليل وما اختلف الليل والنهار وما ناح الحمام ونحو ذلك فيكون المعنى أنهم خالدون فيها أبداً لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له.