وَهُوَ شِدَّةُ الْفَتْلِ، وَيُقَالُ لِلصَّقْرِ أَيْضًا أَجْدَلُ لِشِدَّتِهِ فِي الطَّيْرِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْأَنْعَامِ) بِأَشْبَعَ مِنْ هَذَا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا) ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ.
وَالْجَدَلُ فِي الدِّينِ مَحْمُودٌ، وَلِهَذَا جَادَلَ نُوحٌ وَالْأَنْبِيَاءُ قَوْمَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ الْحَقُّ، فَمَنْ قَبِلَهُ أَنْجَحَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ رَدَّهُ خَابَ وَخَسِرَ.
وَأَمَّا الْجِدَالُ لِغَيْرِ الْحَقِّ حَتَّى يَظْهَرَ الْبَاطِلُ فِي صُورَةِ الْحَقِّ فَمَذْمُومٌ، وَصَاحِبُهُ فِي الدَّارَيْنِ مَلُومٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)
وَمَعْنَى الْكَلَامِ الْإِيَاسُ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَاسْتِدَامَةُ كُفْرِهِمْ، تَحْقِيقًا لِنُزُولِ الْوَعِيدِ بِهِمْ.
قَالَ الضَّحَّاكُ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ لَمَّا أُخْبِرَ بِهَذَا فَقَالَ: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح: 26] الْآيَتَيْنِ.
وَقِيلَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ حَمَلَ ابْنَهُ عَلَى كَتِفِهِ، فَلَمَّا رَأَى الصَّبِيُّ نُوحًا قَالَ لِأَبِيهِ: اعْطِنِي حَجَرًا، فَأَعْطَاهُ حَجَرًا، وَرَمَى بِهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَدْمَاهُ، فَأَوْحَى الله تعالى إليه
(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) أَيْ فَلَا تَغْتَمَّ بِهَلَاكِهِمْ حَتَّى تَكُونَ بَائِسًا، أَيْ حَزِينًا.
وَالْبُؤْسُ الْحُزْنُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَكَمْ مِنْ خَلِيلٍ أَوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ أَبْتَئِسْ وَالرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلٌ
يُقَالُ: ابْتَأَسَ الرَّجُلُ إذا بلغه شيء يَكْرَهُهُ.
وَالِابْتِئَاسُ حُزْنٌ فِي اسْتِكَانَةٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا)
أَيِ اعْمَلِ السَّفِينَةَ لِتَرْكَبَهَا أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ مَعَكَ. (بِأَعْيُنِنا) أَيْ بِمَرْأًى مِنَّا وَحَيْثُ نَرَاكَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: بِحِفْظِنَا إِيَّاكَ حِفْظَ مَنْ يَرَاكَ.