قال الفراء: نُصب القوم على الانقطاع مما قبله ، ألا ترى أن"ما"بعد"إِلا"في الجحد يتبع ما قبلها؟ تقول: ما قام أحد إِلا أخوك ، فإذا قلت: ما فيها أحد إِلا كلباً أو حماراً ، نصبتَ ، لانقطاعهم من الجنس ، كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء ، ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعاً.
وذكر ابن الأنباري في قوله:"إِلا"قولين آخرين:
أحدهما: أنها بمعنى الواو ، والمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا ، وهذا مروي عن أبي عبيدة ، والفراء ينكره.
والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه ، تقديره: حتى يروا العذاب الأليم إِلا قوم يونس ، فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع.
قوله تعالى: {كشفنا عنهم} أي صرفنا عنهم {عذاب الخزي} أي: عذاب الهوان والذل {ومتعناهم إلى حين} أي: إِلى حين آجالهم.
الإِشارة إِلى شرح قصتهم.
ذكر أهل العلم بالسِّيَر والتفسير أن قوم يونس كانوا ب"نينوى"من أرض الموصل ، فأرسل الله عز وجل إليهم يونس يدعوهم إلى الله ويأمرهم بترك الأصنام ، فأبوا ، فأخبرهم أن العذاب مصبِّحهم بعد ثلاث ، فلما تغشَّاهم العذاب ، قال ابن عباس ، وأنس: لم يبق بين العذاب وبينهم إِلا قدر ثلثي ميل ، وقال مقاتل: قدر ميل ، وقال أبو صالح عن ابن عباس: وجدوا حرَّ العذاب على أكتافهم ، وقال سعيد بن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوبُ القبرَ ، وقال بعضهم: غامت السماء غيماً أسود يُظهر دخانا شديداً ، فغشي مدينتهم ، واسودَّت سطوحهم ، فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح ، وحَثَوْا على رؤوسهم الرماد ، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام ، وعجُّوا إِلى الله بالتوبة الصادقة ، وقالوا آمنا: بما جاء به يونس ، فاستجاب الله منهم.
قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادَّوا المظالم بينهم ، حتى ان كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقلعه ، فيرده.