وكلنا نعرف القصة ، حينما دعا قومه إلى الإيمان وكفروا به في البداية ؛ لأن الرسول حين يجيء إنما يجيء ليقوِّم الحياة الفاسدة ؛ فيضطهده من يعيشون على الفساد ؛ لأنهم يريدون الاحتفاظ بالجبروت الذي يسمح لهم بالسرقة والاختلاس وإرواء أهواء النفس ، فلما فعلوا ذلك مع سيدنا يونس عليه السلام خرج مغاضباً ، أي: أنهم أغضبوه .
والمغاضبة كما قلنا من المفاعلة وتحتاج إلى عنصرين ، مثلما أوضحنا أن الهجرة أيضاً مفاعلة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة ، بل ألجأه قومه إلى أن يهاجر ، فكان لهم مدخل في الفعل .
وأبو الطيب المتنبي يقول في هذا المعنى:
إذَا ترحَّلت عن قومٍ وقد قَدروا ... ألاَّ تُغادِرهم فَالرَّاحِلون هُمُ
أي: إن كنت تعيش مع قوم ، وأردت أن تفارقهم وقد قدروا أن تعيش معهم ، فالذي رحل حقيقة هم هؤلاء القوم .
ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد خروج يونس مغاضباً:
{فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] .
أي: أنه رجَّح أن الحق سبحانه لن يُضيِّق عليه الأرض الواسعة ، وسيهيئ له مكاناً آخر غير مكان المائة الألف أو يزيدون الذين بعثه الله تعالى إليهم .
وكان من المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم تجاهه ، لكن هذا الظن والظن ترجيح حكم يدلنا على أن معارضة دعوته كانت شديدة تُحْفِظ وتملأ القلب بالألم والتعب .
وكان عليه أن يُوطِّن نفسه على مواجهة مشقات الدعوة .
والقرية التي أرسِل إليها يونس عليه السلام هي قرية:"نينوى"، وهي التي جاء ذكرها في أثناء حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم والغلام النصراني"عداس"الذي قابله صلى الله عليه وسلم في طريق عودته من الطائف .
"وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب إلى الطائف ليطلب من أهلها النصرة بعد أن آذاه قومه في مكة فلم يجد النصير ، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من حائط بستان ."