93 -قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} ذكرنا معنى {بَوَّأْنَا} عند قوله: {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ} [آل عمران: 121] ، وقال أبو زيد: بوأت فلانًا منزلًا تبوئةً وتبوُّئًا، والاسم: البيئة، وقال أبو علي: قوله: {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} يجوز أن يكون مصدرًا، أي تبوّؤ صدق، ويكون المفعول الثاني محذوفًا، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا فيجعل المبوأ اسمًا غير ظرف كما قال الشاعر:
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
ومعنى (صدق) هاهنا أن العرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق؛ لأن الصدق محمود في الأحوال كلها؛ فتقول: رجل صدق؛ وقدم صدق، وفلان صديقك الصدق.
وقال بعض أهل المعاني: معناه أن هذا المنزل يصدق فيما يدل عليه من جلالة النعمة، قال ابن عباس في قوله: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} قال: يريد: قريظة والنضير وبني قينقاع، {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} ، قال: يريد: أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام، {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ، قال:
يريد: من أرض يثرب من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذي ليس في البلاد مثلها طيبًا.
وقال بعض أهل المعاني: قد دلت الآية على اتساع أرزاقهم.
وعلى هذا التفسير يريد ببني إسرائيل: اليهود الذين كانوا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذهب قوم إلى أنه أراد الذين كانوا في زمن موسى فمن بعدهم فقالوا في قوله: {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} يعني الشام ومصر، وهو قول الضحاك.
وقال قتادة: الشام وبيت المقدس.
وقال الحسن: مصر، وهو منزل صالح خصيب آمن، والصحيح قول ابن عباس؛ لأن قوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} من صفة الذين كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكذلك ما قبله.