ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معللاً لما ذكره من النهي فقال: (إن العزة لله جميعاً) أي الغلبة والقدرة والقهر له في مملكته وسلطانه، ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم الكاذبة وهم لا يملكون من الغلبة شيئاً، ولا ينافي هذا ما في سورة المنافقين (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) لأن كل عزة بالله فهي كلها لله حقيقة لكن قد يظهرها على يد رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أيدي المؤمنين تكريماً وتعظيماً لهم؛ ومنه قوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إنّا لننصر رسلنا) (هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك.
(ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يأذن الله به، و (ألا) كلمة تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد فيهما إلا لله عز وجل فهو يملك ما فيهما.
وقال في الآية الأولى (ما) وفي هذه (من) فمجموعهما دل على أن الله يملك جميع كل شيء فيهما من العقلاء وغيرهم، أو غلب العقلاء على غيرهم لكونهم أشرف: وفي الآية نعي على عباد البشر والملائكة، والجمادات لأنهم عبدوا المملوك وتركوا المالك وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا عقبه بقوله:
(وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) ما نافية وشركاء مفعول يتبع وعلى هذا يكون مفعول يدعون محذوفاً، والأصل وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول يدعون وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور عليه، يعني أنهم وأن سموا معبوداتهم شركاء لله فليس شركاء له على الحقيقة لأن ذلك محال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) .