قوله: (ودس جبريل) أي بأمر من الله، وهو لا يُسأل عما يفعل، وذلك نظير أمرنا بقتل الكفار، وبهذا تعلم جواب إشكال الفخر الرازي في هذا المقام.
قوله: (من حمأة البحر) بسكون الميم وتحريكها، وهي الطين الأسود.
قوله: (مخافة أن تناله الرحمة) أي وليس من أهلها لسابق علم الله بعدم إيمانه.
إن قلت: ما الحكمة في عدم قبوله مع كون الإيمان وقع منه ثلاث مرات؟
أجيب بأجوبة، منها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، وهو حينئذ غير نافع، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 85]
ومنها: أن الإيمان بالله، من غير إقرار للرسول بالرسالة غير نافع، وفرعون لم يقر برسالة موسى عليه السلام، فلم يصح إيمانه.
ومنها: أن قوله: {آمَنَتْ} ليس قاصداً به الإيمان حقيقة، بل قصد به النجاة من البحر على حكم عادته، إذا أصابته مصيبة رجع واستجار.
وحكي أن جبريل عليه السلام، أتى لفرعون بفتوى: ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته، فكفر نعمته، وجحد حقه، وادعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه. يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده، الكافر نعمته، أو يغرق في البحر، فلما غرق، رفع جبريل إليه خطه.
قوله: (وقال له) معطوف على قوله ودس، وقدره إشارة إلى أن قوله: {آلآنَ} ظرف لمحذوف، والجملة مقول لذلك القول المقدر.
قوله: {آلآنَ} استفهام توبيخ وتقريع.
قوله: {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} الجملة الحالية، والمعنى آلآن تتوب، وقد ضيعت الإيمان في وقته الذي يقبل فيه، وهو غير وقت العذاب.
قوله: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} بالتشديد والتخفيف، قراءتان سبعيتان.
قوله: {بِبَدَنِكَ} حال من الضمير في {نُنَجِّيكَ} والمعنى فاليوم نخرجك من البحر، ملتبساً ببدنك فقط، لا مع روحك كما هو مطلوب، وقيل المراد بالبدن الدرع، لأن له درعاً كان يعرف بها، فلما ألقي على وجه الأرض وعليه درعه عرفوه.
قوله: (فيعرفوا عبوديتك) أي ويبطلوا دعوى ألوهيتك، لأن الإله لا يموت ولا يتغير.