ثم بيّن لهم أن كل ما أتى به إليهم من الإعذار والإنذار ، وتبليغ الشريعة عن الله ، ليس هو لطمع دنيويّ ، ولا لغرض خسيس ، فقال: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} أي: إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم ، وتذكيري إياكم ، فما سألتكم في مقابلة ذلك من أجر تؤدّونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به ، والفاء في {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والفاء في {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} جزائية {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله} أي: ما ثوابي في النصح والتذكير إلا عليه سبحانه ، فهو يثيبني آمنتم أو توليتم.
قرأ أهل المدينة ، وأبو عمر ، وابن عامر ، وحفص ، بتحريك الياء من {أجري} ، وقرأ الباقون بالسكون {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين} المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه ، لا يأخذون عليها أجراً ولا يطمعون في عاجل.
قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك} أي: استمروا على تكذيبه أصرّوا على ذلك ، وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن ، والمراد بمن معه: من قد أجابه وصار على دينه ، والخلائف جمع خليفة ، والمعنى: أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق ، ويخلفونهم فيها {وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} من الكفار المعاندين لنوح ، الذين لم يؤمنوا به أغرقهم الله بالطوفان {فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين} فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتهديد للمشركين ، وتهويل عليهم.