فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 208077 من 466147

وفائدة هذا الالتفات بيانُ أنّ الذين تكون منهم هذه الظاهرة التي تحدّث عنها النّصّ ليسوا جميع المخاطبين، بل هم فريق منهم، فمن الحكمة الحديث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائب، مع ما في الحديث عن الغائب من الإِعراض المشعر بالتأنيب على ما يكون منهم، وقد جاء في النصّ بعد ذلك تأنيبُهُمْ صراحةً فقال تعالى: {ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا} ولَوْ تتابع الكلامُ وفْقَ أُسْلُوب الْخِطاب دون ما حصل في النصّ من الالتفات لكان التأنيب مُوَجّهاً لكلّ الناس، مع أنّ فيهم صالحين لا تظهر منهم هذه الظاهرة القبيحة من الظواهر المنافية للسلوك الدّيني المطلوب من العباد.

(فائدة)

الْفُلك: يطلق على الواحد فما فوق، والمراد هُنا الجمع بدليل: {وَجَرَيْنَ} .

قال البلاغيّون: في هذا النصّ التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، فبينما كان النصّ يخاطب المشركين بعبارة: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك} يتحوّل إلى الغيب بعبارة: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ...} .

أقول: إنّ الخطاب كان موجّهاً للذين يمكُرُونَ في آيات الله، لتحويلها عن دلالاتها الإِيمانيّة، والمخاطبون عند نزول النصّ قد لا يكونون من الذين ركبوا الْبَحْرَ وتعَرَّضُوا لمثل ما وَصَفَ النصّ بعد ذلك، لكنَّهُمْ لو تعرّضوا لمثله لكان حالُهُمْ مثل حال من وصفهم الله، نظراً إلى أن أهْلَ الكُفْر أشْبَاهُ في تصرُّفاتِهِم، إذِ الفطرةُ تُلْجِئُهُمْ إلى الله عند الاضطرار وشدّة الخوف، ثمَّ إنَّ كبرهم ورغبتهم في الفجور لتلبية مطالب شهواتهم وأهوائهم، مع تعلُّقِهِمْ بالعاجلة وتشبُّثِهِمْ بزينتها، أُمُورٌ تَرُدُّهُمْ بَعْدَ الأمْنِ والاطمئنان والنِّعْمةِ والرَّخَاءَ، إلى مَا كانوا فيه من بغْي قبل ذلك.

فاقتضى تشبيه حالهم بحال أمثالهم السابقين لهم حكايَةَ قِصَّةٍ مِنْ قِصَص الكافِرِين السّابقين.

ولهذا توقّفَ النصّ عند الفِقَرةِ الأولى المتعلّقة بشأن المخاطبين إبَّانَ التنزيل وبَعْدَه، وانْتَقَلَ مُبَاشَرةً إلى تصوير مَشْهَد قومٍ كافِرينَ جرَتْ بهِمْ الْفُلْكُ بريحٍ طيّبة، فقال الله عزّ وجلّ بأسلوب حكاية خَبَرٍ عن حدَثٍ مضى: {وَجَرَيْنَ بِهِم} .

واكتَفَى النّصّ بالمقدّمة الّتي وُجّهَتْ للمخاطبين، عن ذكر نظيرها ممّا يخصُّ المتحدّث عنهم بالغيبة، فكأنّه قال لهم: فسيكون حالُكُمْ كحال كافرين قبلكم رَكبوا في الْفُلْكِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت