فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدّمه من الأنبياء ، كما في صحيح مسلم عن عبد الله ، قال: كأني أنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"ربّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"وفي البخاري ، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر نبياً قبله شجه قومه ، فجعل النبي يخبر عنه بأنه قال:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"قوله: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم} هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار ، والمعنى: أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا ، وعدم الاعتداد بالقرابة ؛ لأنهم ماتوا على الشرك.
وقد قال سبحانه: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] .
فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده.
قوله: {وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ} الآية: ذكر الله سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه ، أنه كان لأجل وعد تقدّم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له ، ولكنه ترك ذلك وتبرأ منه لما تبين له أنه عدوّ لله ، وأنه غير مستحق للاستغفار ، وهذا يدلّ على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ، ومن أعداء الله ، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين ، أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم ، فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصرّ على الكفر ومات عليه ، وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدوّ الله ، فإن ثبوت هذه العداوة تدلّ على الكفر ، وكذلك لم يعلم نبينا بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية ، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل.
وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه: دعاؤه إلى الإسلام ، وهو ضعيف جداً.