وقد صرح غير واحد أنه فعال للمبالغة من التأوه ؛ وقياس فعله أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها منه ، ووحكى قطرب له فعلاً ثلاثياً فقال: يقال آه يؤوه كقام يقوم أوها وأنكره عليه غيره وقال: لا يقال إلا أوه وتأوه قال المثقب العبدي:
إذا ما قمت أرحلها بليل...
تأوه آهة الرجل الحزين
وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين.
وفي الدرة للحريري أن الأفصح أن يقال في التأوه أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب ، وعليه قول الشاعر:
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها...
ومن بعد أرض بيننا وسماء
وقد شدد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال أوه ، وقلب بعضهم الواو ألفاً فقال آه ، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال أو ثم ذكر أن تصريف الفعل من ذلك أوه وتأوه وأن المصدر الآهة والأهة وإن من ذلك قول المثقب السابق {حَلِيمٌ} أي صبور على الأذى صفوح عن الجناية ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان من حلمه عليه السلام أنه إذا آذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله تعالى ، ولعل تفسيره بالسيد على ما روي عن الحبر مجاز.
والجملة استئناف لبيان ما حمله عليه الصلاة والسلام على الموعدة بالاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله عليه الصلاة والسلام: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ واهجرنى مَلِيّاً} [مريم: 46] ، وقيل: استئناف لبيان ما حمله على الاستغفار.
وأورد عليه أنه يشعر بظاهره أن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كان عن وفور الرحمة وزيادة الحلم وهو يخالف صدر الآية حيث دل على أنه كان عن موعدة ليس إلا ، ولعل المراد أن سبب الاستغفار ليس إلا الموعدة الناشئة عما ذكر فلا أشكال.