فإن قيل: فقد صح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحُد حين كسروا رَبَاعِيتَه وشَجّوا وجهه:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسولَه والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين.
قيل له: إن ذلك القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمّن تقدّمه من الأنبياء ؛ والدليل عليه ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبيّاً من الأنبياء ضربه قومُه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"وفي البخاريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر نبيّاً قبله شَجّه قومه فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال:"اللّهُمْ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
قلت: وهذا صريح في الحكاية عمن قبله ، لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم.
والله أعلم.
والنبيّ الذي حكاه هو نوح عليه السلام ؛ على ما يأتي بيانه في سورة"هود"إن شاء الله.
وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة.
قال بعضهم: ما كنت لأدَعَ الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشيّة حُبلى من الزنى ؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية.
قال عطاء بن أبي رَبَاح ؛ الآية في النهي عن الصلاة على المشركين ، والاستغفارُ هنا يراد به الصلاة.
جواب ثالث وهو أن الاستغفار للأحياء جائز ؛ لأنه مرجوّ إيمانهم ، ويمكن تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدِّين.
وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعُوَ الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين.
فأما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يُدْعَى له.
قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت ، فأمسكوا عن الاستغفار ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا.