وَالْجِهَادُ بِالنَّفْسِ عَلَى ضُرُوبٍ: مِنْهَا الْخُرُوجُ بِنَفْسِهِ ، وَمُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ ، وَمِنْهَا بَيَانُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنْ الْجِهَادِ ، وَذِكْرُ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ لِمَنْ قَامَ بِهِ ، وَالْعِقَابِ لِمَنْ قَعَدَ عَنْهُ ، وَمِنْهَا التَّحْرِيضُ وَالْأَمْرُ ، وَمِنْهَا الْإِخْبَارُ بِعَوْرَاتِ الْعَدُوِّ ، وَمَا يَعْلَمُهُ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ وَسَدَادِ الرَّأْيِ وَإِرْشَادِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْأَوْلَى وَالْأَصْلَحِ فِي أَمْرِ الْحُرُوبِ ، كَمَا قَالَ الْخَبَّابُ بْنُ الْمُنْذِرِ حِينَ {نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهَذَا رَأْيٌ رَأَيْته أَمْ وَحْيٌ ؟ فَقَالَ: بَلْ رَأْيٌ رَأَيْته قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَى الْمَاءِ ، وَتَجْعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِك ، وَتُغْوِرَ الْآبَارَ الَّتِي فِي نَاحِيَةِ الْعَدُوِّ ، فَفَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ} ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ يُقَوِّي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُوهِنُ أَمْرَ الْعَدُوِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادَيْنِ أَفْضَلُ أَجِهَادُ النَّفْسِ وَالْمَالِ أَمْ جِهَادُ الْعِلْمِ ؟ قِيلَ لَهُ: الْجِهَادُ بِالسَّيْفِ مَبْنِيٌّ عَلَى جِهَادِ الْعِلْمِ وَفُرِّعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَعُدُّوا فِي جِهَادِ السَّيْفِ مَا يُوجِبُهُ الْعِلْمُ ، فَجِهَادُ الْعِلْمِ أَصْلٌ وَجِهَادُ النَّفْسِ فَرْعٌ ، وَالْأَصْلُ أَوْلَى بِالتَّفْضِيلِ مِنْ الْفَرْعِ.