{فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} .
تفريع على {منها أربعة حرم} فإنّها ، لما كانت حرمتها ممّا شرعه الله ، أوجب الله على الناس تعظيم حرمتها بأن يتجنّبوا الأعمال السيئة فيها.
فالضمير المجرور بـ {في} عائد إلى الأربعة الحرم: لأنّها أقرب مذكور ، ولأنّه أنسب بسياق التحذير من ارتكاب الظلم فيها ، وإلاّ لكان مجرّد اقتضاب بلا مناسبة ، ولأنّ الكسائي والفرّاء ادّعيا أنّ الاستعمال جرى أن يكون ضمير جمع القلّة من المؤنث مثل هُنّ كما قال هنا {فيهن} إن ضمير جمع الكثرة من المؤنث مثل (ها) يعاملان معاملة الواحد كما قال: {منها أربعة حرم} ومعلوم أنّ جموع غير العاقل تعامل معاملة التأنيث ، وقال الكسائي: إنّه من عجائب الاستعمال العربي ولذلك يقولون فيما دون العشر من الليالي"خلون"وفيما فوقها"خَلَت".
وعن ابن عبّاس أنّه فسرّ ضمير فيهنّ بالأشهر الاثني عشر فالمعنى عنده: فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة يعني أنّ حرمة الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية ، وهذا يقتضي عدم التفرقة في ضمائر التأنيث بين {فيها} و {فيهن} وأنّ الاختلاف بينهما في الآيةِ تفنُّن وظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه وتوعّد عليه ، فإنّ فعله إلقاء بالنفس إلى العذاب ، فكان ظلماً للنفس قال تعالى:
{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله} [النساء: 64] الآية وقال: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} [النساء: 110] .
والأنفس تحتمل أنّها أنفس الظالمين في قوله: {فلا تظلموا} أي لا يظلم كلّ واحد نفسه.